Tuesday, August 14, 2007

من(قلة)الأدب الشعبي



اضطررت في يوم من الأيام أني أبعت السيارة للصيانة ، ونظرا لأنه من الصعب الواحد يقبع في البيت ، وبعد ما أخذت تان (لون) من طول انتظاري لتاكسي ، لذلك لقد اتخذت قراراً وطلبت من الجماهير أن تساعدني عليه ، لقد قررت أن أتنحى رسمياً و نهائيا ، وأن أعود إلى صفوف الجماهير كأي فرد عادي ، أمارس الالتحام الشعبي الحميم بالجماهير جنبا إلى جنب ، وكانت فرصة جيدة أني اجرب الالتحام ، ونظرا لأني مش بأحب الالتحام المبالغ فيه، لذلك قررت أني مأركبش أتوبيسات ، وبما أن خير الالتحام الوسط .. قررت أركب ميكروباص ،

سائق الميكروباس راجل في منتصف الأربعينات ، شعره أسود مخلوط بقليل من الدقيق المنثور بحرفية يشبه الشيب ، يدخن سيجارة دخانها لونه غريب ، و مشغل أغنية "حب أيه" ،
-
يجلس بجواره شاب في أوائل العشرينات لم يرفع عينه لحظة عن الموبايل وهو يحاول عبثا ان يبحث عن شيئا فيه،
-
في المقعد الخلفي له مباشرة يجلس ولد وبنت يبدوا أنهم مخطوبين أو عاملين نفسهم مخطوبين وعايشين الدور، الولد حاطط أيده على كتفها ، وبيتكلموا بشويش وما بطلوش ودودة (اه يا أبن المحظوظة ) ،
-
في المقعد اللي بعده ، يجلس راجل ومراته ، عرفتها إزاي دي .. ؟ الست كانت قاعدة جنب الشباك وعمالة تبص للا شئ وكأنها تنظر إلى الماضي بنوع من الحسرة أو إلى المستقبل بنوع من اليأس ، والراجل مشغول بجريدة في أيده طيلة الوقت مارفعش عينه من عليها، وكل فين وفين لما يتكلموا كلمة ، وهو دافس راسه في الجرنال برضه،
-
يجلس بجوارهما واحد بلدياتنا يرتدي زيه الرسمي كاملاً ببشرة سمراء وجبين عريض ( بلدياتنا في الأدب العربي يعني صعيدي) ترجمة لغير المصريين.
رأسه لا تكف عن الحركة وعينه لا تسكن عن الدوران ينظر من الشباك تارة وينظر إلى الارض تارة وإلى الركاب تارة ، وينفض حجر جلبيته تارة أخرى ، يتمتم دائما بكلمات غير مسموعة
-
في المقعد الخلفي تجلس سيدة كبيرة في السن ترتدي زي أسود ويبدو عليها الوقار، والزهد ، أول لما تشوفها لا تملك إلا أن تناديها بـ "يا أمي" ، من النوع الذي يقتحم حياتك دون استئذان وكأنها أمك بل هي "أم المصريين" .احيانا تشعر انها تتكلم مع شخص غير موجود أو كأنها تجتر حوار سابق مع أخرين ، ويجلس بجوارها المحروس (المحروس ابن عمي تعرفه) ..اللي هو أنا.

على جدران المعجنة (الميكروباص سابقاً ) لوحات جدارية تستطيع أن تستهلك ربع ساعة من زمن الرحلة في قرائتها وتاملها وتحليلها، (أه ، ماهي مش محطوطة اعتباطاً ..دي منظومة) وأكيد السواق هو الي حاططها علشان الركاب ماتحسش بطول المشوار وتقعد تتأمل فيها.

يقيني بالله يقيني.

ذكرتني هذه العبارة ببداية ظهور اللاعب النيجيري رشيدي يقيني في كأس العالم 1994 .. حاجة ما شاء الله أطول من ضرفة الدولاب ، ويا ترى رشيدي دا مسلم ، والا يهودي ،وألا من أكلة لحوم البشر، طيب ممكن اسمه يكون رشيدي بالله يقيني بعد ما أعلن إسلامه ، طيب يا ترى رشيدي قبل ما يلعب كورة ، كان بيشتغل أيه ..!؟ تباع على عربية ميكروباص ، هل له علاقة بأغنية .ادلع يا رشيدي ..!

الحلوه لما تتدلع تخلي الإسفلت يولع..

ياترى الحلوة دي شغالة على توليع الأسفلت بس.. والا لو زودتها في الدلع شوية ممكن تخلي الشباب هو كمان يولع...وهل ليها علاقة برشيدي اللي كان بيدلع هو كمان من شوية ؟ والاتنين لهم علاقة بالرشيدي الميزان بتاع الحلاوة الطحينية اللي في ميدان السيدة زينب؟ والواد اللي كان عنده حق ، عرفة الجامع ؟؟؟

إذا كان من حقك أن تدخن فمن حقي أن أستنشق هواء نقياً

طيب تفتكر لو الناس بطلت تدخن... دا معناه اني هأستنشق هواء نظيف ...!! وعوادم الأتوبيسات والسيارات مش تعتبر تدخين .. ، (حقك) يعني أنا..بس أنا مش بأدخن ، (حقي) يعني السواق..اللي اصلا هو اللي بيدخن . طيب هل للهواء النقي أرتباط بالتشرد الأطفالي وشم الكلة ؟ وهل التدخين يصب في بوتقة الحرية .؟

وشوية ملصقات تانية من نوعية ( الاجرة لو سمحت ، ممنوع وضع القدمين هنا ، اقفل الباب برفق ، يا لذيذ يا رايق )

مع أول مطب لاقيت نفسي قاعد على حجر الست الوقورة وراسي خابطة في سقف العربية ، ومع نظرات تعجبها ، أنطلق من لسانها جملة تلقائية كلها أمومة...." اسم الله عليك يا بني ، حوش اللي وقع منك"
ربنا يخلي لنا الحكومة ، سايبة المطبات في الشوارع – دا إن ماكانتش متعمدة تعمل حفر ومطبات – علشان تزيد من الحميمية والالتحام بين الشعب ،
والناس لازم تشيل بعضيها .

السائق : هات الجنية اللي على المحطة دا .!
(يعني أنا من شوية بس كنت بالنسبة للراجل دا مااسواش أكتر من جنيه ....!!! أه يابن الارندلي)
العجوز : في باقي خمسة جنية ورا يا اسطي .
مازال اللمبي يغني : حب إيه ؟ اللي إنت جاي ؟؟ تقول عليه ؟؟؟ صو صو صاااااو
الشابان : لمسات و همهمات وضحكات مكتومة .

سائق تاكسي : يا حماااار ما تركن على جنب ، لازم تقف تعبي من وسط الشارع ؟
السائق : أركبي بسرعة يا مدام ، جبتـلنا الكلام ، ....
الواد اللي جنب السواق لسه بيلعب في مفاتيح الموبايل
السواق لسائق التاكسي : أبو اللي جابك ، ولابس لي كاسكيته بروح أمك .
الراجل يرفع عينيه عن الجريدة وينظر للسأئق ويهز رأسه استنكارا ويعود ليدفس وجهه في الجرنال مرة أخرى
السائق : خشي جوة يا مدام ... الكنبة وار تاخد تلاتة .

العجوز : على مهلك يا بنتي علشان اللي في بطنك ، تعالي جنبي .
السيدة : شكرا يا أمي.
العجوز : ربنا يقومك بالسلامة..انت في الشهر الكام .
السيدة : انا مش حامل .
اللمبي : ده انـت لو .......حبيت يومين.....أه ا اا اه
الصعيدي : وحياة والدك يا ابو خالو لما تجيي محطة ( ) أبجا خبرني.. غريب يا بوي

صوت واد تباع لميكروباص تاني ..... ينادي : عـَبـُّولي عبولي عبولي
سألت أم المصريين ...هو بيقول أيه ... فردت عليا.. انه بينادي على (عتبة قللي - عتبة قللي ).

في هذه اللحظة يتوقف السائق ليأخذ جنيه أخر .. وينفتح الباب ، ويصعد جنيه ومش اي جنيه ، دا جنيه استرليني ، يورو ،ليرة لبناني ، بيسيتا أسباني، فتاة في العشرينات ، ترتدي إيشارب لا يتناسب مع زيها الضيق جداً ، يطلق عليه ، بادي محزق من أبو صرة ، وبنطلون جينز whale tail، وحذاء رياضي ، تضع مكياج بطريقة مبالغ فيها، تدخل إلى الميكروباص مائلة ، ليحدد تمايلها كل تفاصيل جسدها .
الواد الحبيب- ومازال واضعا يديه على كتف حبيبته - يلتفت بكل رأسه ناحية الوافد الجديد في ازبهلال ، وهو نوع من الهبل اللحظي (إزبهل ، يزبهل إزبهلالا..فهو أهبل لحظياً) .

الراجل يغلق الجريدة ويفغر فاه ويقلع النظارة ،

الزوجة تقطع تأملها وترمق الفتاة بنظرة تأنيب ، وكأنها تقول في داخلها، حسرة علينا . اتقندلنا بدري بدري .

الواد ابو موبايل ، انتهى من اللعب في جهازه ، ولم يضيع هذه الفرصة (حلوة وساجعة ماشربش ليه)
.
الصعيدي لم يستطيع ان يكتم تمتماته : أنا عارف عم بيجيبوا النسوان دي منين !!!
.
اللمبي : هش هش يا ديك ..الفرخة دي مش ليك .
.
السيدة العجوز : .. ربنا يستر عليك يا بنتي ويرزقك بابن الحلال اللي يسَـتـَرك .

أنا : الله يخليك يا أسطى ..حرام عليك ، العربية مش مستحملة.. قصدي...كفاية ركاب على كدا، النفس برضه مطلوب،
.
السائق : إيه يا استاذ ..الدنيا ولعت والعيشة بقت صعبة والبنزين غالي ، والناس عايزة تروح مصالحها برضه ، انا في الشغلانة دي أباً عن جداً .
أنا: جدن ...!!! طيب..متشكرين جدن ..نزلني انا هنا بقا .

ونزلت من مملكة الميكروباص ولم يمحو أثار الطهق عني إلا بعد أن لمحت السيدة العجوز تشيعني بابتسامة هادئة و بنظرات ودودة ،
.
دي كان ناقص تبعت معايا السلام لطهقانة.

Posted by طهقان :: 10:52 AM :: 74 Comments:

Post a Comment

---------------------------------------